الجمعة، 31 مايو، 2013

شيء ما يجثم على القلب






شيء ما يجثم على القلب مني 
ويكتم الأنفاس

ليس حزناً .. لا أجد اليوم ما يحزنني 
ليس مللاً .. يومي مليء بخطط مسلية وضعتها لنفسي 
هو شعور عصيّ على التعريف 
يضغط على الروح ويغمرها باللون الأسود 
لون مزعج لزج .. وثقيل


هو شعور قوي الحضور .. يقنعني بتصرفات غريبة 
أفكر أن أحلق رأسي كله مثل الرجال .. حتى يذهب هذا الشعور
قد أشارك في سباق للجري بحذاء عالي الكعبين وفستان سهرة 
ربما نقعت أعواد المكرونة في الشاي وأضفت إليهما الزبادي والفراولة
فأقدم هذا الطبق للضيوف باعتباره نوعاً جديداً من الحلوى 
أنظر إلى انعكاس صورتي في المرآة لساعة فلا أعرف هذا الوجه وأسأل الناس عن ملامحي كيف اختلفت .. وهل تغيرت إلى الأفضل أم الأسوأ
قد أجلس في إحدى زوايا المطبخ بوجه مبتئس وأحتضن نفسي بقوة قبل أن أنطلق في القهقهة .. ثم أتعجب

أريد فقط أن أتخلص من هذا الشعور اللزج 
أو أعرف كنهه على الأقل ..

حتى التأفف غير متاح في هذه اللحظة 
فلا أعرف كيف أفسر هذه الـ"أف" الفارغة
الـ "أف" معنى قائم بحد ذاته ولا بد لها من سبب واضح 
وأنا لا أملك غير بعض السواد اللزج يثقل على روحي 
ولا يقبل التعريف ..


لا تنتقم من عدوك






" لا تنتقم من عدوك "

هذه النصيحة المثالية بسيطة في شكلها عميقة المضمون .. تبدو سهلة التنفيذ عندما تناقشها في سهرة مع أصدقائك أو تتأملها في جلستك المريحة على أريكة غرفة الجلوس في منزلك، تجد نفسك تتعجب ممن يصرّ على الثأر وقد يبدو لك متعصباً بعض الشيء وربما تبحث له عن أعذار وأنت تشعر في قرارة نفسك أنه يبالغ في رد الفعل .. لكن هل تعرضت في حياتك لموقف يسهّل لك الانتقام من عدوٍ آذاك شر الأذية؟ هل بمقدورك التمسك بفضيلة التسامح في ذلك الموقف تحديداً؟

دور الضحية المظلومة سهل دائماً ولا يحتاج منا لبذل الجهد كما أنه لا يضعنا أمام خيارات أخلاقية متشابكة يتشابه فيها الأبيض والأسود والرمادي، الصعب هو دور الضحية ذات القوة والتمكّن؛ حين تجد الضحية أصبحت من القوة بمكان يسمح لها فعل ما تشاء وفي يدها القدرة على الثأر وعلى العفو، هنا لابد أن تصطرع في النفس مشاعر المقت والحقد مع محاولات الحفاظ على المثالية أو بعض الرقي .. هذا في حالة أن يكون الضرر الواقع على الضحية سهل التناسي مثل أن يتسبب العدو في ابتعادك عن موطنك مثلاً أو طلاقك أو مقاطعة أعز أصدقاءك كل هذه الأضرار بسيطة وإن لم تكن بعضها سطحياً ويمكن تناسيها بقدر بسيط من السيطرة على النفس وتذكر النصائح الداعية إلى التسامح والفرق بين المسامح والمنتقم وما إلى ذلك.
هناك أضرار أقوى وأعمق وأضخم أثراً، أضرار لا تؤثر فقط في نفسية الضحية بل في حياتها وحياة من حولها، لنفترض مثلاً أن لك عدواً قتل أباك أو أحد افراد عائلتك وهو إلى ذلك حرٌ طليق لا تستطيع تقديمه للعدالة لسبب أو أكثر، هو ذا يقف أمامك يتباهى بجريمته ويبتسم لك في سخرية ..! هل تسامحه؟

في الوضع العادي حين يكون الأمر مجرد فرضية مطروحة للنقاش من الطبيعي أن نتحلى كلنا بالكرم والرغبة في نشر المحبة والتسامح، ستسامحه نظرياً حين تعدّ أفراد عائلتك وتجد عددهم كاملاً وتتيقن أنك بمنأى عن الإصابة بأي أذى .. ستسامحه لأن هذا ما تتمناه للعالم كله (التسامح والمغفرة).. لكن الطبيعة أقوى منك عندما تتحقق الفرضية ويتحول الاحتمال إلى حقيقة واقعة .. ستنطلق من أعماقك أنياب حادة تنهش قلبك تذكرك بمن فقدت وما خسرت .. تفقد تركيزك وأنت تحدق في لمعة أسنانه وثغره يفترّ عن ابتسامته الماكرة .. الساخرة من عجزك وضعفك المفترض

تبهت حولك المرئيات في شبه دوار ولا ترى سوى لون الدماء وصور من قتلهم من أهلك .. صوت ضحكته يرن في أذنيك مستفزاً يتحداك أن تتحرك .. في يدك شيء ما لا تدقق فيه ولا تجد الوقت للتفكير في ماهيته، لكنك تعرف جيداً أنه سيخترق جمجمته من أول ضربة ...

في هذه اللحظة تحديداً يكون القرار أوضح وأصدق، حينها فقط يمكنك الإجابة عن السؤال:
هل تسامح ؟ أم .... ؟

الأربعاء، 1 مايو، 2013

الصومال مثلاً .. !



الصومال مثلاً .. !!

"مقالي المنشور في صفحة روايات مصرية للجيب على الفيسبوك"





الصومال بلاد اسلامية عربية ذات هوية مستقلة لا يحب الكثيرون أن يُتعب نفسه بمحاولة التعرف عليها وهو أمر معتاد ولا يثير حفيظة أحد حتى الآن، قامت فيها ثورة في بداية التسعينات ضد الدكتاتور محمد سياد بري الذي حكم البلاد بيد من حديد وكان القمع والاضطهاد والتعذيب أحد وسائل حكمه، قرّب قبيلته وأسند إليها مقاليد الحكم وداس على بقية الشعب محاولاً استعباده ثم وضع بنفسه حجر البداية لهذه الثورة بسخريته من القوانين الشرعية وقتله العلماء على مرأى ومسمع من الجميع بحجة معارضتهم لقانونه الاشتراكي الذي يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث، وكان نتيجة هذه الثورة تخبطاً دام لسنوات طويلة قبل أن يتم أخيراً السيطرة على الوضع بانتخاب الرئيس الصومالي الأسبق عبد القاسم صلاد حسن، ثم توالت من بعده الحكومات والرؤساء.


كل هذا معروف منذ عشرين سنة وليس بالأمر الجديد أو اللافت للنظر، الجديد هنا هو النغمة التي انتشرت في الفضائيات والصحف في الآونة الأخيرة وخاصة مع ابتداء الثورات العربية أو ما نحب تسميته بالربيع العربي، حيث بدأ كل حاكم يثور عليه شعبه بالحديث عن التجربة الصومالية وعن أن حكمه هو السبب الوحيد لتماسك بلده وإلا ستتحول إلى "صومال أخرى" وهذه هي اللفظة التي استخدمها كل مؤيدي الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب واتخّذت من التهديد سبيلا لقمع ثورتهم كحل أخير يائس.


هذا التهديد لم يجدهم نفعاً واستمرت الثورات حتى سقط معظمهم ولكنه أحدث "موضة" جديدة في الصحافة وفي الفضائيات على السواء وهو تشبيه الأحداث المأساوية أو الفوضى غير المبررة بما يحدث في الصومال وهو شيء مستغرب ففي الصومال لا يحدث شعب غير مبرر انما منازعات قبلية متفرقة وغالبا ما يسيطر عليها شيوخ القبائل بفرض الصلح على بقية أفراد القبيلة، ثم استمرت التشبيهات تتوالى فكل أحداث مؤسفة تذكرهم بما قاله الحاكم المخلوع ومؤيدوه ونجد الصحفي أو المذيع يستعيد ذلك التهديد ويتشائم منه على أساس ذلك، ثم تطورت هذه "الموضة" حتى وصلت إلى أن يستمتع المذيعون والصحفيون بتشبيه جديد يصفون به الأحداث التي تدل على بداية الانحدار إلى الهاوية بأنها "الطريق إلى الصومال" وهو تشبيه لا يخلو من السخرية والشماتة الخفيفة.


كل هذه الأمور قد تثير حفيظة المتابع العادي - المُنصِف - ولكنها لا تدعو إلى الدهشة بقدر ما تثير بعض الحساسيات بين من يؤيد السخرية من الوضع الصومالي على أساس أنها حرية الصحافة وبين الصوماليين - المغتربين غالباً - المتابعين لهؤلاء، هنا كان لابد من أن يظهر الطبع العربي المعروف وهو المبالغة فبعد أن أباح الجميع لأنفسهم هذا الاستهوان ببلاد عربية مسلمة مشكلتها الوحيدة أنها تعرضت لمشوار طويل من التخبط السياسي والكوارث البيئية التي لا يد للإنسان فيها، بدأت المبالغات وأصبح السائد هو اتخاذ الصومال مثلاً لكل ماهو سيء ومكروه وما يستوجب الهرب والنفور، وانتشرت هذه الفكرة غير المنطقية انتشاراً واسعاً حتى تحولت إلى قاعدة جديدة، ووصل الأمر إلى أن نجد د. أحمد خالد توفيق وهو أحد الأدباء الكبار يقول - بنية طيبة لم يقصد بها توجيه الإساءة - في مقاله الذي يتحدث عن استغلال اللاجئات السوريات بالزواج النفعي :


" هل تقبل أن تزوج أختك أو ابنتك بمهر 500 جنيه فقط؟.. بعض هذه العقود عرفي والطلاق يتم بسهولة تامة. الخطير هنا أن بعض اللاجئات قد يضطررن للدعارة لسد احتياجاتهن، وإلا يقبلن بهذه الزيجات الاضطرارية المهينة. هذا استغلال جنسي لاشك فيه وإن تنكر في شكل زواج. أذكر أيام مأساة البوسنة والهيرسك ان شاعت مقولة (أستر أختاً مسلمة من البوسنة) .. فما أسهل هذه التضحية إذ تتزوج حورية أوروبية بارعة الحسن وتأخذ ثواباً، وقد تحمس كثيرون لهذه الدعوة، فلما قلنا لهم: (استروا أختاً صومالية) فر الجميع بجلدهم"


السؤال هنا هو "هل رأيت الأخوات الصوماليات سوى في نشرة الأخبار أثناء فترة المجاعة؟" مالذي يعرفه العرب عن الصوماليات لكي يتخذوهن مثلاً للقبح أو في أفضل الأحوال لانعدام الجمال؟، لاشيء على الأرجح وهو تحديداً السبب الوحيد الذي جعل فكرة التشبيه منتشرة بكثرة فحين لاتعرف الشيء تُعمل خيالك في رسم صورة له تتناسب مع مقاييسك الخاصة البعيدة عن الواقع، يعرف الجميع جمال الأسوانيات ولا أحد يتجرأ على الحديث عنهن ويعترف الكل للسودانيات بالأناقة والاهتمام المفرط بالجمال ولهذا أيضاً لم يلتصق بهن مثل هذا التشبيه ولم يبق سوى الصومال الدولة البعيدة عن نظر العالم ووعيه هي الخيار الأسهل لرمي كل التهم بضمير مرتاح.


ولكن ما يتغافل عنه العالم حين يأتي الحديث عن الصومال يمكن أن يوجَز في عبارة قصيرة "الصوماليات جميلات" وهي حقيقة مختصرة جداً فرغم الحروب التي عاصرنها ورغم المجاعة التي لم يعرف العالم العربي غيرها عن الصومال ورغم الاجتياح الاثيوبي الغادر ورغم انعدام الاستقرار لحقبة طويلة إلا أن ذلك لا شأن له بجمالهن أو عدمه ولا يؤثر بأي حال على الملامح الصومالية الناعمة ذات البريق والكحل الرباني، الصومال التي لا تعرفونها ياسادة تنتظر أن تتعرفوا عليها بصدق لا أن تتخذوها سلة جاهزة لأي تهمة جديدة.