السبت، 28 يناير، 2012

... صمت






لا تُقاوِم ..


مصيرك منقوش على جبهتك ..
أنت الذي لا تعرف غير السكوت
خوفاً من علامات التعجب




اتخذت الصمت مهنة ..
تخشى العيون المتسائلة
تنتفضُ رعباً من زحام النظرات على ملامح وجهك
تخفي بريق عينيك التواقتين للتميز
تُغطي صفاء روحك المتقافزة النشطة بأكوام من الكآبة
تتظاهر بالتعاسة حتى تُشبه الآخرين
وتُطأطئ الرأس كي تبتعد عن منصة الأمل
فقط لتُشبههم قدر الإمكان






أنت
الذي تنضم كل يوم إلى الزحام المحتشد
أملاً في التماهي بهم ؛ والتلاشي وسطهم
لاتُقاوِم إذن ..









 .. أنتَ الآن تتلاشى ..


كطيفٍ مغمور لم يعرفه البشر ؛ ولا يهتم به أحد
استسلم لمصيرك كما استسلمت من قبلُ للسكوت

وغادرنا بنقشك الباهت على جبينك


لم تكُن تستحقُ الكثير من الإهتمام

الأربعاء، 25 يناير، 2012

الرّفْ .. وما يسبقه





تفتح قلبها لكل طارق
بهذه السهولة تعطيه ثقتها الأكيدة
ولا يهمها إذا ماكان يستحق فعلا هذه الثقة التي أسبغتها عليه
"هكذا طبعي"
جوابها الجاهز دائماً وابداً
لم تكن صديقتي ولم تجمعني بها أية ظروف
كنت أتابعها عن كثب، بفضول المتلصص الذي لا يحق له التعليق
لم أعرف حينها كيف تحملتها صديقاتها ..  وهي كما هي في كل تصرفاتها
بل كيف تمكنت من جمع هذا العدد من الصديقات بالأساس
( تلك الغبية ) هو الاسم الذي أطلقته عليها فلم أكن أعرف اسمها
أو ربما لم يصل اهتمامي بها لدرجة السؤال عن اسمها أياً يكن
كنت في صمتٍ ألاحظ صفاتها التي تؤكد لي صحة الاسم الذي أطلقته عليها
متهورة .. طفولية التفكير  .. لا تملك بعد النظر ولا ترى أبعد من الأناقة الخارجية
 هذا ما عرفته عنها من خلال متابعتي المتطفلة
ولكن ما لم أعرفه ذلك الوقت هو حقيقة غريبة عن كل هذه الحقائق
" هي لم تكن غبية "
تأكدت من ذلك بعد مدة غير قصيرة
كانت تعيش حياتها للحظتها الراهنة .. تستغلها بكل ما تأتي به من فرح واندهاش
وتحضر الدموع لأوقات الحزن التي تعرف أوانها مسبقاً
ثيابها الضيقة القصيرة الأكمام .. قصة شعرها الشبيهة بمغنيات الروك
ونظاراتها الشمسية متعددة الألوان
كانت هذه أسلحتها الفتاكة في مواجهة يأسها من الحياة
اليأس من النظرة المتعارف عليها نحو المرأة في شرقنا المتصلب الرأي
عرفت مسبقاً ماعليها وعلمت أن ليس لها سوى سنوات الشباب الأولى
ثم تتسلق إلى الرف الذي تُركن إليه كل أنثى في مساحة هذا الوطن
تُنجِبْ .. وتنتَحِبْ
مصير رُسم لها سلفاً ولُقنته كبقية الفتيات منذ الصغر
لم تكن تصرفاتها نابعة من الغباء أو من تفكير طفولي قاصر
ولم يكن هناك ثمة تمرد فيما تفعله
هي فقط تستوفي مالها قبل أن يحين أوان الحصار
سنوات قصيرة جداً لتجرب كل شيء
قبل أن تدق صافرة النهاية ويقترب الرف
كم كانت ذكية تلك الغبية

الثلاثاء، 24 يناير، 2012

ما أعـرفُه .. ولا أذكُـره !




في رحلتي على متن تلك الطائرة قدموا لنا طعاماً لا أستطيع وصفه بالكلمات مهما حاولت
وذلك للسبب بسيط جداً، هو أن عمري آنذاك لم يتجاوز الثمانية أشهر
 كنت عائدة إلى وطني قبل أن يتشكل وعيي بالحياة
وخرجت منه ثانية قبل أن يلتصق بي غبار طرقاته
شهران هما مدة انتمائي الآمن إلى بر النجاة
شهران طبعا في القلب بصمة لا تختفي
تحمل في طياتها تفاصيل الثقة المطلقة ..








ثقة بأن الماضي ليس محطة للتأمل والشرود وإبداع الكلمات
بل صورة مصغرة عن المستقبل القادم من خلف الزوبعة الرملية الكاذبة
ثقة بأن الهامة العالية لا - ولم ولن - تنحني
وإن ظن الجميع انها انكسرت وانتهت ايام مجدها
في تينك الشهرين تسلل إلى كل عروقي افتخار بالدماء الأصيلة السارية فيها  
دماء تحمل في احمرارها يقيناً بأن الصعود إلى الأعالي سهل كسهولة نطق هذه العبارة
وأن الطريق مهما طالت فالنجاح ليس ببعيد .. هو فقط على بعد خطوة, وفي مرمى البصر
شهران فقط في مرحلة تسبق الوعي والحضور
نحتت أيامها الستون في كل كياني يقيناً من نوع خاص لم يجربه الآخرون بعد





يقين بأننا " نعلم " وهم لا يعلمون
.. لأننا صوماليون ..
وغيرنا لا يستطيع أن يكون
 

مـِـيـلاد مـُـؤقَـتْ









هنا وُلدت ..
في بلاد عربية مسلمة لا تبعد كثيراً عن موطني الأصلي
ولا تختلف عنه سوى في درجة اللون وبعض التعقيدات الفكرية

.

لم يكن ميلادي في هذه البلاد اختياراً بل جاء محض صدفة
كأنها احتفال في منتصف النهار
يختلسه المسافر قبل أن يقطع تذكرته إلى الرحلة الأخرى
كنت أشبه بقية الأطفال الصارخين الذين جمعتني بهم تلك الحضّانة الممتلئة بالصراخ
والممرضات الكسولات ..
كائن صغير في لفافة وردية .. بدرجة إزعاج عادية لا تتجاوز المتعارف عليه في كل البلاد
وظننتُ نفسي في مكاني الصحيح حيث يفترض بي أن اكون
كنت وبقية الأطفال كأسنان المشط لا يفرق بيننا سوى الأختام على شهادات الميلاد وأوراق الهوية
أختام كان لها من الأهمية أن شكّلت وجه حياتي فيما بعد .. بدءاً من تلك اللحظة
حين كان من نصيبي ختمٌ  قُدِر لي أن أحمله حتى يومنا الحاضر
"شهادة ميلاد مؤقتة"
هي كل ما حصدته حين انطلقت من شرنقتي أجمع الحروف والألوان
أزين بها مكاناً لم يقبلني .. ولم يزل غير متقبل لفكرة وجودي في الدنيا كل هذا الوقت
كأنه يفترض بي الذهاب إلى عالم آخر بعد فترة من هذا الميلاد المؤقت

لم أنتبه لهذا الأمر إلا بعد أن كبرت قليلاً وتعلمت فن البحث عن المغامرة
مغامرتي الأولى كانت رحلة للغوص حتى أعماق الماضي حيث نقطة البداية
مغامرة هي الشكل الذي يعتمده المراهقون لإطلاق السؤال الطفولي الأقدم
-        كيف أتيت إلى الدنيا؟

ربما لهذا السبب قررت نبش كل الأوراق القديمة التي تحمل اسمي منذ الميلاد
لكن هذه استوقفتني بطريقة صادمة عند بداية بحثي ..
 " مؤقتة "
ولم يسفر البحث حتى الآن عن أخرى دائمة ..














شهادة مؤقتة .. تولد من بين سطورها
حبلٌ من الشك بطول المسافة بيني وبين موطني الذي ولدتُ بعيداً عنه
ولون قاتم مخادع يتظاهر بالإشراق دونما جدوى
وكثيرٌ من الأسئلة التي لا داعي لها


.

.


 
ألم يكن يفترض بي الاستمرار في الحياة بعد انتهاء الفترة المحددة؟
هل كان ميلادي مرحلة مؤقتة يجدر بي الانصراف بعدها
وإلى أين تحديداً .. ؟
هل كان علي الانطلاق إلى دنيا موازية لا يتضمنها هذا العالم الذي نعرفه ؟
أم إلى عالم المثل العليا  الذي ابتدعه أفلاطون وآمن به كثيراً ..













 


هذه الشهادة كانت أول هبة ريح كادت تطيح بالجدران الهشة من حولي
وجعلتني أرى للمرة الأولى لمحة من معالم سكة السفر
وزوايا مكتب التذاكر المتهالك